الأناجيل القانونية اللتي تعتمدها الكنيسة الأورثوذكسية ترسم تعاليم ربنا يسوع وقصة رحلته في إنشاء المسيحية, أما الأناجيل الغنوصية فهي ترسم البعد العرفاني الروحاني لربنا يسوع, وطريق الخلاص لروح الانسان لتجد طريق العودة إلى باريها
معظم الأناجيل الغنوصية تم اخفائها من الامبراطورية الرومانية, ومن بعدها الخلافات الاسلامية المتعاقبة اللتي حكمت المنطقة
في هذه الكنيسة سنقوم بترجمة هذه الأناجيل وشرح مفاهيمها العرفانية وكيف تشكل الأسس الصحيحة والقويمة لمعتقدات العلويين بعيدا عن التاثيرات المختلفة من الاديان الاورثوكسية والنزاعات السياسية او الطائفية العرقية في الشرق الاوسط
الأناجيل الغنوصية هي ترجمة مؤسس الكنيسة مع الإشارة للنص الأصلي باللغة الانكليزية, اللذي ترجم بدوره من اللغة الأصلية. بعض الايات لا تزال قيد التدقيق, وسأقوم بالتحديث إذا لزم الأمر.
إنجيل توما
يُعَدّ إنجيل توما أحد أكثر النصوص غموضًا وعمقًا بين المخطوطات التي اكتُشِفت في نجع حمّادي بمصر عام 1945. وعلى عكس الأناجيل القانونية، فهو لا يروي حياة يسوع أو معجزاته، بل يجمع مئة وأربعة عشر قولًا، كلٌّ منها يكشف حكمةً خفية لمن «له أذنان ليسمع». نبرةُ هذا الإنجيل حميمة ومباشرة، كأن يسوع يخاطب النفس الداخلية للباحث لا الجموع.
يدعو هذا الإنجيل القارئ إلى رحلة اكتشاف الذات والاستنارة الداخلية. فهو يعلّم أن ملكوت الله ليس عالَمًا بعيدًا، بل حالة من الوعي الإلهي موجودة في داخلنا وحولنا. والخلاص، وفقًا لتعاليمه، لا يُنال بالإيمان وحده، بل عبر المعرفة الباطنية (الغنوص) — أي إدراك الأصل الإلهي للإنسان وحقيقته الروحية. أقواله تُحفّز الإنسان على تجاوز الدين الظاهري والطقوس، والسعي بدلاً من ذلك إلى إيقاظ النور الكامن في داخله، ذلك النور الذي يربطه بالآب الحيّ.
أهم التعاليم
- الملكوت في الداخل:
«إن ملكوت الآب مبسوط على الأرض، والناس لا يرونه.»
فالحقيقة الروحية ليست في مكان آخر، بل هنا، تخفيها الغفلة. - معرفة الذات هي الخلاص:
«من عرف نفسه وجد أنه ابن الآب الحيّ.»
فمعرفة الذات هي معرفة المصدر الإلهي الذي انبثقنا منه. - النور الداخلي والوَحدة:
يعلّم الإنجيل أن النور يسكن في كل إنسان، ومن خلال كشفه يعود الباحث إلى الوَحدة مع الإله. - تجاوز الازدواجية:
يؤكد توما على تجاوز الأضداد — الحياة والموت، الذكر والأنثى، الداخل والخارج — حتى يصير الإنسان كائنًا واحدًا غير منقسم.
في جوهره، يُعَدّ إنجيل توما دليلًا للاستيقاظ الروحي. إنه لا يتحدث عن اتباع يسوع خارجيًّا، بل عن التشبّه به داخليًّا — ليصبح الإنسان مرآة حيّة للمعرفة الإلهية والحقيقة النورانية.
إنجيل الحق
إنجيل الحق يُنسب إلى فالنتينوس، أحد أبرز المفكرين الغنوصيين في القرن الثاني للميلاد. هذا الإنجيل ليس روايةً عن حياة يسوع، بل تأملٌ شعريّ ولاهوتيّ في طبيعة المعرفة الإلهية والجهل البشري، يقدّم فهمًا جديدًا للخلاص من خلال معرفة الحقيقة التي هي المسيح ذاته.
يُقدّم إنجيل الحق رؤيةً عميقة للوجود، حيث يُفسَّر سقوط الإنسان ليس كخطيئة، بل كـ نسيانٍ للأصل الإلهي. فالجهل هو الجدار الذي يفصل النفس عن مصدرها، والمعرفة (الغنوص) هي النور الذي يبدّد هذا الظلام. في هذا النص، يُصوَّر المسيح كـ الكلمة التي خرجت من الصمت، ليُذكّر النفوس بما كانت عليه قبل أن تنفصل عن ملئها. ومن خلال سماع صوته، تستيقظ النفوس وتعود إلى موطنها في المحبة والحق.
أهم التعاليم
- الجهل أصل السقوط:
الجهل هو الذي ولّد الخوف والانقسام، ومنه نشأت المادة والزمن والمعاناة. أما المعرفة فهي عودة إلى السلام الأصلي. - المسيح هو المعرفة والحق:
المسيح في هذا الإنجيل ليس فقط المخلّص، بل هو تجلي المعرفة الإلهية التي تُعيد الإنسان إلى الوعي بالآب.
هو «الاسم» الذي أُعلِن للذين نسوا أنفسهم. - الخلاص بالمعرفة والمحبة:
لا يتحقق الخلاص عبر الذبيحة أو الشريعة، بل عبر المعرفة الموحَّدة بالمحبّة، إذ يقول النص إن «من عرف، أحبّ؛ ومن أحبّ، فقد وجد الراحة.» - العودة إلى الملء:
الغاية النهائية هي العودة إلى ملء الوجود الإلهي، حيث تزول المسافات بين العارف والمعروف، ويصير الكل في الواحد.
في جوهره، إنجيل الحق هو أنشودة للمعرفة والمحبة، نصّ يُعيد تعريف الخلاص لا كنجاة من عقاب، بل كعودة إلى الوعي الإلهي الأصلي. إنه يُعلّم أن الحقيقة ليست فكرة تُفهم، بل حضورٌ يُختَبَر — حضور الآب الذي يُعرَف في الصمت، والمسيح الذي يُعرّفنا بأنفسنا. إنجيل الحق هو جذر لجميع الغنوصيين والعرفانيين في الشرق الأوسط وخارجه, علويين ودروز ويزيديين, وغيرهم الكثير.
إنجيل فيلب
إنجيل فيلب أيضا يُنسب إلى المدرسة الفالنتينية الغنوصية في القرن الثاني للميلاد. لا يقدّم هذا الإنجيل رواية متسلسلة أو أقوالًا مستقلة كما في إنجيل توما، بل هو مجموعة من التأملات العميقة في الأسرار الروحية، مثل الزواج المقدّس، المعمودية، المسحة، والاتحاد بين النفس والمسيح. لغته رمزية، مشبعة بصور النور والزواج والولادة، لتعبّر عن سرّ الاتحاد بين الإنساني والإلهي.
يرى إنجيل فيلب أن الغاية من الحياة الروحية هي العودة إلى الوحدة الأصلية التي كان عليها الإنسان قبل أن ينقسم إلى ذكر وأنثى، جسد وروح. فالمسيح في هذا النص هو العريس، والروح القدس هي الأم، والنفس البشرية هي العروس التي تُدعى للدخول إلى “غرفة العرس”، رمز الاتحاد الإلهي الكامل. من خلال هذا الاتحاد، تُشفى النفس من الانقسام، وتستعيد صورتها الأصلية كـ صورة من نور لا يعرف الموت.
أهم التعاليم
- الأسرار طريق الاتحاد:
المعمودية، والميرون، والإفخارستيا ليست طقوسًا خارجية، بل أسرار باطنية ترمز إلى مراحل الوعي التي تقود النفس نحو المعرفة والاتحاد. يقول النص:
«الرب لم يقل: اشربوا دمي الحقيقي، بل قال: هذا دمي — رمزٌ للمعرفة.» - الزواج المقدّس (غرفة العرس):
الزواج في هذا الإنجيل ليس جسديًّا بل روحيًّا — هو اتحاد النفس بالعريس السماوي، رمز لإعادة توحيد ما انقسم.
«من دخل غرفة العرس، أضاء بالنور؛ لأن النور لا يُطفأ.» - الأنوثة الإلهية:
الروح القدس تُوصَف هنا كـ الأم التي تلد الحياة الروحية، وتمنح الإنسان ولادة جديدة في الروح.
«البكر من الروح القدس هو المسيح — وهي أمّ كثيرين.» - الجهل أصل الموت، والمعرفة حياة:
«من جهل نفسه يعيش في الفقر، ومن عرف نفسه وُجد في الغنى.»
فالمعرفة ليست فكرة، بل استنارة تُحوّل الكائن من الموت إلى الحياة.
في جوهره، إنجيل فيلب هو إنجيل الأسرار والاتحاد، يعلّم أن الخلاص لا يتحقق بالإيمان اللفظي أو الممارسات الخارجية، بل عبر اختبار الحب الإلهي في الداخل، حيث تُستعاد الوحدة المفقودة بين الإنسان والإله. إنه دعوة لأن يدخل الإنسان “غرفة العرس” ليصير نورًا من النور، وعروسًا من العريس، في أبدية المحبة والمعرفة.
صورة عن النسخة الأصلية لإنجيل توما اللتي تم العثور عليها في مكتبة نجع حمادي

المصدر: The Gnostic Society Library
http://www.gnosis.org/
