النصوص العلوية (كتاب الأسوس)

أدناه أرفق أحد النصوص اللاهوتية العلوية وهو كتاب الأسوس
النسخة المرفقة أدناه ممسوحة ضوئيا
أقوم بالعمل على نسخة الكترونية اكثر وضوحا ومضاف الها بعض الشروحات ولكن هذا العمل سيستهلك بعض الوقت المتوفر لي بقلة حاليا

لمحة عن الكتاب

(هذه اللمحة مترجمة بتصرف من الفصل الثاني من كتاب The Nusayri Alawi Religion للباحث مار ميخائيل)

لاهوت كتاب الأسوس

الرسالة معنونة بكتاب الأسوس، هي مؤلَّف لاهوتي نصيري طويل، محفوظ في المخطوط النصيري المحفوظ في مكتبة باريس الوطنية (المجموع العربي رقم 1449، الأوراق 1–79).
هذا المؤلّف يتناول – بطريقة غير منتظمة – طيفاً واسعاً من العقائد العلوية. لغة الرسالة هي “العربية الوسطى”، وتتميّز بخصائص نحوية وتركيبية مألوفة في سائر المؤلفات النصيرية الموجودة في هذا المخطوط، وكذلك في المجموع العربي رقم 1450 في باريس.
لا يُعرف تاريخ تأليفها بدقة، غير أنّ إشارةً إليها في الكتاب الجدلي الذي ألّفه النشّابي في القرن الثالث عشر. يشير إلى أنها سابقة للقرن الثالث عشر.
وبحسب التذييل في المخطوط، فقد نُسخت هذه الرسالة سنة 1791–1792م .

الإطار الأدبي للرسالة منحول (أي منسوب إلى أحد القدماء)، إذ يُقال إنّ النبي سليمان تلقّى أمراً إلهياً بكتابة هذا الكتاب، ولذا يُقال عنه إنّه “الأساس في كل ما يتعلّق بمعرفة هذا الكتاب”، ومن هنا جاء عنوان كتاب الأسوس.
ويتجلّى دور سليمان أكثر في العنوان البديل للكتاب، وهو كتاب معرفة حكمة سليمان بن داود.
ولتأليف هذا الكتاب جمع سليمانُ عدداً من الحكماء الذين يمثّلون الثقافات العظيمة في العالم، وأوكل إليهم أن يكتبوا كتاباً يوازي النموذج الذي تلقّاه سليمان من الله، أي كتاب أبنية الكلام.
فأنتج الحكماء حواراً على هيئة أسئلة وأجوبة بين معلّمٍ مجهول وتلميذٍ له. وهذا الكتاب (كتاب الأسوس) جاء مشابهاً لنظيره الإلهي، ويُعرّف مؤلف النسخة العربية المعلّم والتلميذ بأنهما شيث بن آدم وأخنوخ (إدريس).
ويُقال إنّ الكتاب ترجمة عن اليونانية لعملٍ كتبه النبي سليمان بأمرٍ إلهي.

كغيره من النصوص النصيرية الموجودة في مخطوطات باريس (1449 و1450)، يتّسم كتاب الأسوس بعدم الانتظام، وهو ما قد يكون راجعاً إلى أسلوب الحوار فيه. فالروابط بين مراحل النقاش تتبع التسلسل الترابطي للأفكار، دون معالجة منظمة لأي موضوع على حدة.
بعض المفاهيم الجوهرية الواردة فيه مألوفة في نصوص نصيرية أخرى، غير أنّ كتاب الأسوس يتميّز بأن العقائد والمصطلحات المسيحية تحتلّ مكاناً بارزاً نسبياً، ويكثر المؤلف من عقد مقارنات بين يسوع وعليّ لإيضاح جوانب من السرّ الإلهي العلوي.
كما أنّ النص مليء بالأقوال المنسوبة إلى المسيح، سواء القانونية أو المنحولة، غير أنّ وفرة الإشارات المنحولة تدلّ على معرفةٍ غير مباشرة بالأناجيل الغير قانونية.
كذلك يبرز دور الملائكة والأنبياء في لاهوت كتاب الأسوس بوضوحٍ لافت.
ويظهر أيضاً أنّ المؤلف يمتلك معرفة واسعة بالقرآن، يفسّره بطريقة مبتكرة، وفي الوقت نفسه ملمّاً بالتراثين المسيحي والإسلامي في حدود ما يخدم تأويله اللاهوتي الخاص.

علم الكون ونظرية الخلق

مثل العمل النصيري الأقدم المسمّى كتاب الهفت والأظلّة، يُظهر كتاب الأسوس اهتماماً كبيراً بعلم الكون ونظرية الخلق. بل إن بعض العناصر الأساسية فيه قد تكون مأخوذة من العقائد الكونية الواردة في كتاب الهفت والأظلّة. يُنظر إلى نظام الخلق بأسره على أنه نتيجة فعلٍ إرادي من الله، لا نتيجة عملية حتمية أو مصادفة عشوائية. فثمة سلسلة من الانبثاقات، أولها العالم الروحي. وقد خُلقت الملائكة، ثم خُلق بعدهم البشرُ النورانيّون الروحيّون على هيئةٍ ملائكية. وفي ختام هذا الخلق الروحي، اشتغلت الملائكة وهذه الكائنات النورانية بالتأمل في الذات الإلهية.

غير أن هذا التصور العام للعالم الروحي لا يتوافق تماماً مع مفهومٍ آخر أسطوري للخلق الكوني يَرِد في موضعٍ آخر من كتاب الأسوس.
فبحسب هذا المفهوم، خلق الله إنساناً كونيّاً أوليّاً (آدم كوني) احتوى في كيانه على العالمين الروحي والمادي معاً. وتقوم هذه الكوسمولوجيا الثانية على مبدأ العدد النموذجي “سبعة” الذي يحكم الكون. فهذا الإنسان الكوني البدئي يضمّ في ذاته كل الخلق، المنظَّم في وحدات سباعية تشمل السماوات والكواكب والمحيطات، وكذلك الدورات السباعية لتناسخ الأرواح البشرية. وبعد أن خلق الله هذا الإنسان الروحي الأول على صورته، مجّد ذاته وسبّحها سبعة آلاف عام، ليعلّم الملائكة والبشر الروحيين أن يقتدوا به في التقديس والتنزيه. والغاية من هذا التعليم الإلهي كانت أن يعلّمهم كيفية وصفه على الوجه الصحيح من غير أن يُنسب إليه أي تجسيمٍ أو تشبيهٍ بشري. ثم تجلّى الله في قدرته الكلية للملائكة، فأقرّوا بسلطانه الإلهي. بعدها تجلّى للذوات البشرية الروحية الأولى على هيئتهم الخاصة، وكشف لهم آياته ومعرفته، فأقرّوا به وعاهدوه، فعقد معهم عهداً يُشار إليه في القرآن بحسب التفسير العلوي.

ولا يرى مؤلف كتاب الأسوس أيَّ انفصالٍ في عملية الخلق بين خلق الله للعالم الروحي والعالم المادي. ورغم غموض تعبيره أحياناً، يبدو أنه يعتبر الخلقَ كله عمليةً كونية واحدة تشمل جميع مكونات الكون، من السماء إلى كل المخلوقات الحيّة، ويصفها بعبارات فلسفية علمية. غير أنّ هذا التصور المتناغم للخلق يتعارض مع نظرته إلى الوجود الإنساني في هذا العالم. فهو يقع – دون قصد – في تناقض معرفي داخلي: فمن جهة، الوجود الإنساني مشوبٌ بتوترٍ ثنائي الأصل بسبب أزمةٍ حدثت في العالم الإلهي الروحي أدّت إلى سقوط الجزء المختار من البشرية – أي النصيريين – وتجسّدهم في المادة، وهم “أبناء النور” في مقابل سائر البشر الذين قُدّر عليهم أن يكونوا عبيداً و”أبناء الظلمة”.

ومن جهة أخرى، يبدو أن النظام الكوني بأسره قد قُدّر مسبقاً وجُعل متمركزاً حول الإنسان، أو بالأحرى حول المختارين. فالعالم خاضع للعناية الإلهية، ومع ذلك فهو عالم يجب على العارف النصيري أن يتحرّر منه، كي يستعيد حالته النورانية الأولى في العالم الإلهي الروحي. وهذا العالم ليس عالماً مزدوجاً متناقضاً، بل هو عالم يخضع فيه الوجود الإنساني لتوترٍ مزدوج في طبيعته. ولا يقدَّم طريق الخلاص من هذا التمزّق والاغتراب إلا عن طريق “المعرفة” – أي الغنوص – التي هي السبيل الوحيد للتحرّر من أسر الوجود المادي. لقد أخطأت الأرواح الإنسانية النصيرية في العالم الإلهي بالجهل والكِبْر، إذ بدأوا يسيئون فهم جوهر الله الحق والأولي، الذي تجلّى لهم في هيئةٍ إنسانيةٍ روحية. فكانت عقوبتهم سقوطهم في العالم المادي، ودخولهم في الأجساد.

ويعرض كتاب الأسوس سقوط الإنسان من العالم الإلهي الروحي في تفسيرٍ لقصة طرد آدم من الجنة. فالجنة في الحقيقة هي حالة النفس البشرية بوصفها جوهراً نورانياً في عالم النور الإلهي، وآدم هو نموذجٌ لروح العارف. أما أصل خطيئته الأولى فكان اقترابه من الشجرة التي ترمز إلى عالم الهرطقة قبل أن يبلغ المعرفة الكاملة. وتُعدّ خطيئة آدم عظيمة، لكنها ليست غير قابلةٍ للمغفرة، على نحوٍ يُذكّر بالفكرة الإسماعيلية عن “دين آدم الأول”، حيث كان آدم في حالته المثالية قبل الخطيئة متحرّراً من أي تشريعٍ أو تكليفٍ ديني. أما بعد السقوط، فقد فُرضت عليه شريعة الأوامر والنواهي.

ورغم السقوط، منح الله لآدم فرصةً لاستعادة حالته الأولى في الجنة. وهذا يشكّل الأساس النظري لإمكان عودة العارف إلى حال آدم قبل الخطيئة الأولى. فبعد الطرد من الجنة، يُعاقَب آدم – أي العارف – بسبع دوراتٍ من التناسخ (تكريرات)، تكفيراً عن إنكاره الكفري للسماوات السبع، إلى أن يتعرّف إلى ربّه فيها كما جهله في السماوات السبع. لكنّه في النهاية يعود إلى حالته الأصلية من الحرية، متحرّراً من قيود الشريعة، ولا يُجازى إلا على أعماله. وفي طريق العودة إلى الجنة، يُعين العارفَ “الفضلُ الإلهي” في جهده الفردي نحو التقدّم الروحي، لكن الكمال في المعرفة – معرفة مراتب الإله وتجلياته – هو وحده السبيل إلى التحرّر التام من عبودية الشرائع الظاهرية. فـ”إذا بلغ المؤمن الكمال وحقق المعرفة، وعرف ربَّه وحجابه ومقاماته وأبوابه وأيتامه. خرج من حالة العبودية وصار في مقام الأحرار، ورفعت عنه القيود. وهكذا تصبح المعرفة الإلهية – أي إدراك سرّ الألوهة على وجهه الصحيح – الغايةَ العليا من الوجود الإنساني.

ويُظهر المؤلف أن بنية الكون تقابل الوجود الأرضي للعارفين. فالكواكب السبعة النشطة في السماوات السبع ترتبط بأجساد المؤمنين العارفين، ويقسَّم الكون إلى سبعة “حجب معرفية” (سبعة حجب للمعرفة) تقابلها سبعة حجب أرضية. كما أن أيام السنة – وعددها 366 يوماً! – تعدّ حجباً أخرى مقسّمة إلى نورانية وأرضية؛ فالحجب النورانية موجودة في السماء وتنتمي إلى حجاب “الابن والروح”. وفي تقسيم الزمن اليومي تلعب الساعات الاثنتا عشرة دوراً رمزياً، إذ تمثّل “محطاتٍ روحية” يجسّد فيها المؤمنون النماذج المثالية للأئمة الاثني عشر من أئمة الشيعة.
وفي هذه الصورة الرمزية يُصوَّر المسيح بأنه “العين العليا”، أي البصر الأعلى، الذي يجمع الأئمة – المرموز إليهم بالساعات الاثنتي عشرة – في صورة الرسل الاثني عشر، الذين هم “بيوت” و”حجبٌ” من لحمٍ ودم. وهذه الرمزية تمثل الطبيعة التوفيقية اللاهوتية للنصيرية، إذ تمزج بين العناصر المسيحية والإمامية الاثني عشرية في نسيجٍ واحد.

سرّ الألوهية

كما في بقية المؤلفات النصيرية، يحتلّ سرّ الألوهية مكانةً مركزية في كتاب الأسوس.
فالكثير من أسئلة التلميذ إلى معلّمه تتعلّق بجوانب مختلفة من الديناميكية الداخلية للألوهة.
ويظهر في هذا العمل أيضاً التوتّر الجدلي المألوف في الخطاب النصيري بين مفهومين متعارضين عن الله: أحدهما تصوّرٌ تنزيهي متعالٍ، والآخر تصورٌ حلولـيٌّ باطنيّ.

غير أن مفهوم التثليث في هذا الكتاب يتميّز بطابعٍ خاص.
ففي المؤلفات النصيرية الأخرى يسود الرأي القائل إنّ المعنى (وهو الجانب الأسمى من الذات الإلهية) والاسم (وهو الجانب الثاني) يشكّلان شخصين من أقانيم الثالوث، وهذان الشخصان يُنظَر إليهما أحياناً بوصفهما متطابقين مع الله نفسه، وأحياناً بوصفهما فيضين صادرين عن الذات العليا. لكن مؤلف كتاب الأسوس يصوّر الله على أنه هو نفسه الاسم والمعنى معاً، في شخصٍ واحد.

ومع ذلك، فهو يميّز ضمن هذا المستوى الأعلى من الذات الإلهية بين الجوهر والمعنى: فالله هو المعنى، بينما يُعرَّف اسمه بأنه عليّ – أي “الاسم الأعلى الذي يعلو كلّ اسمٍ ويقهر كلّ اسمٍ آخر”.

ولمنع أيّ سوء فهمٍ بشأن منزلة هذه الكائنات الوسيطة (كالنور، والروح القدس، والملائكة، والأنبياء)، يؤكّد المؤلف أنّ جميعها خاضع لله ومتوقف عليه: «فالأنبياء – عليهم السلام – دون الله، وكذلك الملائكة دونه، وكلّ هؤلاء يفعلون أفعالهم بإذن الله، فليسوا هم الفاعلين، إنما الفعل بقدرته وأمره وإذنه».

ويسند المؤلف هذا المعنى إلى قولٍ منسوبٍ للمسيح عليه السلام:

«أما سمعتَ قول المسيح عليه السلام: أخلقُ بإذن الله، وأفعلُ بإذن الله؟».

ثم يوضّح المؤلف أن تجلّي الله لمخلوقاته لا يضرّهم، كما أن تجلّيه لهم لا يضرّ بالله ذاته:

«لن يضرّ المخلوقَ الخالقُ إذا أنزل به قدرته، ولن يضرّ الخالقَ نزوله بالمخلوق».

ولكي يخفّف من طابع التنزيه المطلق في لاهوته، يقدّم المؤلف تصوراً دوكيتياً (تجليّاً وهمياً):
فعلى الرغم من تنزّه الله، فإنه قد يتنازل برحمته فيتجلّى لبعض مخلوقاته الذين عجزوا عن إدراك جوهره الحقّ في صورةٍ بشرية، فيسمح لهم أن يصفوه بأوصافٍ إنسانية.

وهذا التنازل الإلهي ناتجٌ منطقي عن فعل الخلق ذاته؛ إذ نشأت منذ تلك اللحظة علاقة بين الخالق والمخلوق.
ويقدّم المؤلف تفسيراً مذهلاً للآية القرآنية: «ليس كمثله شيء» ، فيقول إنّ هذه العبارة تصف حال الذات الإلهية قبل الخلق، حين كان الله موجوداً وحده بلا علاقةٍ بشيء، ولم يكن ثمّة من يصفه أو يخاطبه.
فلو قلتَ آنذاك: «ليس كمثله شيء، لا ندّ له ولا ضدّ، لم يخرج من شيء، ولم يدخل في شيء، ولا يُوصف» – لكان المعنى أنه قائمٌ بذاته ولم يصف نفسه لمخلوقاته لأنها لم تكن موجودة بعد.

وفي تلك الحال، لم يكن الله محتاجاً إلى أحد، ولا إلى أن يصف نفسه لنفسه أو أن يخاطب ذاته.
لكن بعد خلق البشر، أصبح هذا التواصل ضرورياً، فظهرت أصنافٌ من الصفات الإلهية تعبّر عن العلاقات بين الله ومخلوقاته.
ولما كان التغيّر على ذات الله محالاً، فقد خلق هيئةً إنسانيةً خارجية يتواصل من خلالها مع خلقه.

ثم يشرح المؤلف أنّ الله يتجلّى في اثنتي عشرة هيئة شبيهة بالبشر – كلها على صورة الإنسانية–  يُظهر من خلالها نفسه للمؤمنين.
وقد تشير هذه الصور إلى النماذج الروحية للأئمة الاثني عشر.
وفي موضعٍ آخر، يوصف هذا التجلي بأن الله أظهر نفسه « أشخاصاً كهيئة الملائكة في صورٍ مختلفة».

ثم يذكر ثلاثاً من هذه التجليات الإلهية التي تكرّرت أيضاً في مؤلفات نصيرية أخرى:
فقد تجلّى الله أولاً في هيئة شيخٍ كبير أبيض الرأس واللحية، يفيض بالوقار والرحمة والهيبة؛
ثم تجلّى ثانياً في هيئة شابٍّ ذي شاربٍ ملتفٍّ يمتطي أسداً تتجلّى فيه صفة الغضب؛
ثم تجلّى ثالثاً في هيئة طفلٍ صغير.

وقد فسّر بعض شيوخ النصيرية هذا التجلي الثلاثي بأنه يرمز إلى المراحل الثلاث لتجلّي القمر: الهلال، والبدر، ثم القمر في المحاق.

ثم يتناول المؤلف إشكالية العلاقة بين الله والبشر في سياق هذه التجليات.
فيطرح التلميذ سؤالاً محورياً: ما ماهيّة الألوهية؟ وهل تتضمّن في كيانها جانباً من المخلوق، أم أنها منفصلة عنه تماماً؟
فيرفض المعلّم كلا الاحتمالين: فلو ارتبطت الألوهية بالمخلوقات لكان بينهما تشابه، ولو انفصلت عنها تماماً لنتج تعارضٌ مطلق لا يُجسَر عليه.

ويضرب المؤلف أمثلةً كثيرة لتوضيح علاقات الفيض والتأثير بين الله وخلقه، منها تشبيه الله بالشمس التي تفيض نورها على العالم كله رغم بعدها، كما يفيض الله تأثيره على مخلوقاته دون أن يتصل بهم اتصالاً مادياً.

ثم يعقد مقارنة بين علاقة الله بالمخلوقين وبين علاقة المسيح باليهود، فيفسّر الآية:
«وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً» ، بأن الجنّة هنا من الجذر (ج ن ن) أي “استتر”، فيعني أن الله استتر فيهم، وأن مريم كانت الموضع الذي استتر الله فيه.
ويفهم قوله تعالى: «ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون» على أنه يشير إلى دخول اللاهوت في الناسوت في المريمية – أي أن جوهر الله حلّ في الجسد عبر مريم.
ثم يقول إنّ مريم كانت حجاباً استتر الله به عن آلام الولادة.

وكما في مؤلفات شيعية غير تقليدية أخرى، يقارن المؤلف بين المسيح وعليّ لإيضاح منطق التجسد الإلهي في عليّ، مستشهداً بآية الميثاق (الأعراف: 172).
ويعيد تفسيرها قائلاً إن الله حين تجلّى لخلقه وأخذ عليهم العهد، كان ظهوره من خلال عليّ، فيقول:

«كان الأنبياء يتنبأون بأن الربّ سيتجلّى، فلما جاء عليّ أظهر روحه في صورة مولودٍ من العذراء البتول التي أحصنت فرجها، فنفخنا فيها من روحنا، فصدّقت بكلمات ربها – العين–  وكتبه، وكانت من القانتين بمعرفة الله، واستترت روحه في المريمية».

يُدخل المؤلف هنا كلمة العين في الآية القرآنية ليجعلها دليلاً على أن المقصود هو عليّ، مساوياً بذلك بين الله وعليّ.

ثم يتابع قائلاً إن الله، بعد أن أتمّ خلقه، سار بين مخلوقاته في صورة إنسان، يحكمهم ويعلّمهم بالمثال، لكنه لا يخاطبهم مباشرةً، بل من خلال الأنبياء والرسل.
وهو حريصٌ على ألا يصرّح بتجسّدٍ حرفيٍّ لله، بل يصف تجليه بلغةٍ رمزية: فالله لا يظهر بذاته، بل من خلال حجابه، أي قدرته وصفاته، وتكون هذه الرؤية مقصورة على الخواصّ دون العوامّ.
فالقدرة على إدراك التجلي الإلهي رهينةُ الصفاء والتمييز الروحي لدى العارف الذي يُهيّئ نفسه لرؤية الله في ذاته.

ويذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك في تبنّي التصور الدوكيني، فيقول إن الله تجلّى فعلاً في صورةٍ بشرية، لكن من رآه مرةً كُفيَ عن رؤيته ثانيةً، لأن التجربة تترك في النفس أثراً أبدياً لا يُمحى.
وهكذا يغدو التجلي الإلهي ومضةً روحية تدوم في وعي العارف وكأنها حضورٌ دائم.

ثم يصرّ المؤلف على التمييز الجوهري بين الله والإنسان، فيعرض مناقشة فلسفية طويلة عن تشريح الجسد البشري وحواسه ومادّته المشتركة مع سائر المخلوقات، ليبرهن على الفرق الواضح بين الخالق والمخلوق.
ويعبّر عن هذا الفرق بمفهومي الجوهر والمثال: فكل جوهرٍ مخلوق له مثال، أمّا الجوهر القديم الأزلي – أي الله – فلا مثال له.

ثم يضيف أمثلة أخرى: فالعلاقة بين الله والإنسان كالعلاقة بين الروح والجسد، وانفصال الألوهية عن الناسوت يشبه مفارقة الروح للجسد عند الموت.
وفي مثال آخر، يشبّه الله بالشمس التي تبعث الحياة في الكون، والإنسان بالنبات الذي ينمو على ضوءها، وتجلي الله كالنسمة التي تهبّ بالحياة.

وفي النهاية يسأل التلميذ سيده سؤالين جوهريين:
ماذا يريد الله من خلقه؟ وماذا يريد الخلق من الله؟
فيجيبه المعلّم بأن غاية الوجود الإنساني هي معرفة الله في حكمته وكلامه وتجلياته في ما قبل الخلق، وفي الخلق، وما بعد الخلق.

ثم يفرّق المؤلف بين عبادة الله خوفاً منه، ومعرفته عن طريق الغنوص. فعبادة الله عن خوف تُعدّ نوعاً من الشرك، لأن الإيمان الحقيقي هو معرفة الله لا أداء الطقوس الخارجية. ويسمّي العبادات الشكلية “أعمال الجوارح”، ويعتبرها إيمان الجسد لا إيمان القلب، ويمثّل لها باليهودية التي هي، في نظره، دين الجسد والظواهر، على غرار ما قاله بولس عن “ناموس الجسد”.

علم الملائكة

يحتلّ علم الملائكة مكانةً أكبر في كتاب الأسوس مقارنةً بأي عملٍ نصيري آخر معروف لدينا.
فبعض أوجه هذا التصوّر للملائكة كلاسيكي الجذور، متأصّل في القرآن وفي المصادر الإسلامية اللاحقة.
غير أنّ أجزاءً أخرى منه تبدو ثمرةَ تطوّرٍ أصيلٍ حدث داخل اللاهوت النصيري نفسه.

ويظهر اطّلاع المؤلف الواضح على العقائد الإسلامية الأرثوذكسية المتعلّقة بالملائكة من خلال عرضه للموضوع،
لكن النظرة السريعة تكشف أنّ المكوّنات الإسلامية العامة ليست سوى إطارٍ خارجيٍّ أُدرجت فيه مفاهيم نصيرية خاصة ومبتكرة.

فالملائكة عند المؤلف ليسوا مجرد خَلقٍ نورانيين يطيعون الله، بل يمثلون مراتب من الوجود تتوسّط بين الألوهية والعالم المادي، وتعبّر عن درجاتٍ من النور الإلهي المنبثق في الكون. إنهم تجليات للقدرة الإلهية، يتّخذون أسماء ووظائف رمزية تعبّر عن علاقات متبادلة بين الخالق وخلقه.

ويرى المؤلف أنّ الملائكة يشكّلون منظومة متكاملة، لكلٍّ منهم دور محدّد في النظام الكوني، مرتبطٌ بدورٍ روحيٍّ يقابلُه في الإنسان.
فكما في التصوّر الكوني السباعي، تتوزّع الملائكة أيضاً في سبع مراتبٍ أو طبقاتٍ متصلةٍ بسبع سماوات، ولكلّ مرتبةٍ وظيفةٌ تتعلق بتدبير الخلق وبالهداية الروحية.

وفي بعض المواضع يُشَبَّه الملائكة بالعقول الفاعلة في الفلسفة المشائية، إذ يتلقّى كلّ واحدٍ فيضه من الأعلى منه، ويمنحه لمن دونه، بحيث يشكّلون سلسلة نورانية تنتهي عند الإنسان. والملائكة بهذا المعنى هم القوى التي تربط الإنسان باللاهوت، وتمثّل مراتب المعرفة والفيض.

أما الملاك الأعلى، رأس هذه المراتب، فهو الذي يعبّر عن النور الأول الصادر من الله، أو ما يُسمّى في النصّ الروح القدس، الذي يحتلّ مرتبةً بين “الاسم” و”الباب” في الثالوث النصيري، وهو الذي يفيض الحياة على سائر المراتب.

وفي تدرّج الانبثاقات، يتّخذ الروح القدس أحياناً رمز الشمس، لأنها تبعث النور والحياة على العالم، كما أنّ الله أظهر من خلالها إشعاعه الأعلى.
وتردّ هذه الفكرة في مواضعٍ أخرى من التراث النصيري، حيث يُشار إلى الروح القدس بوصفه الشمس التي تلي الباب مرتبةً، وتعلو على القمر، ويُشبَّه الباب بالنفس الكلّية أو الروح الكلية.

ويذكر المؤلف أيضاً أنّ الملائكة لا يملكون إرادةً مستقلة، بل يتحرّكون بإذن الله وحده، وأنّ معرفتهم بالله محدودة بقدر مراتبهم في سلم النور.
وبذلك فإنّ مراتبهم تمثّل درجاتٍ من الإدراك الروحي لا من القدرة الذاتية.

ويشير كتاب الأسوس إلى أنّ الإنسان الكامل – العارف – يمكنه بترقّيه المعرفي أن يبلغ مقام الملائكة، بل أن يتجاوزهم، لأنّ الله خلق الإنسان على صورته، ومنحه القابلية لاحتواء جميع مراتب الوجود. فالملائكة يسبّحون الله بما ألهمهم، أما الإنسان فقد أُعطي القدرة على معرفة الله في ذاته وأسمائه وصفاته، وهي مرتبة أعلى من مجرد التسبيح والطاعة.

وهكذا يندمج علم الملائكة في البنية العامة للاهوت النصيري، باعتباره جسراً بين نظرية الفيض الإلهي ونظرية الخلاص المعرفي، إذ يُعدّ التأمل في الملائكة طريقاً لفهم كيفية تجلّي النور الإلهي في العوالم العليا والإنسانية على السواء.

النبوة

كما ذُكر سابقاً، فإن أحد الأدوار الرئيسة للأنبياء وفق لاهوت كتاب الأسوس هو التوسّط بين العالم الإلهي المتعالي وعالم المخلوقات.
فالله يُظهر ذاته للمؤمنين المصطفين من خلال وساطة الأنبياء والرسل، وذلك في شكلٍ تجلٍّ تجسّديٍّ ميتافيزيقي معقّد (أي تجلٍّ دوكينيّ).
وبعد سقوط الإنسان من العالم الإلهي النوراني، أرسل الله الأنبياء إلى مختاريه لينقلوا إليهم الحقيقة الإلهية.
وتعتمد قدرة الإنسان على إدراك هذه الحقيقة على مستوى معرفته:
فالعلماء (العارفون) يدركونها ويقرّون بها،
والجهّال يتحيّرون،
والشكاكون يُبدون الريبة،
والكافرون يرفضونها.

ويقول المؤلف إنه قبل زمن موسى لم يكن هناك كتابٌ إلهي ولا رسول، بل كان الناس يُهدَون بالعقل وبالأنبياء الذين أُعطوا الوحي الإلهي عن طريق الملائكة. لكن الله منح أنبياءه ورسله أيضاً جزءاً من قدرته الإلهية التي فاضت عليهم من الملائكة، فأُودعت فيهم صفاتٌ إلهية جزئية.

وفي أثناء حديثه عن نزول القدرة الإلهية بالفيض على الرسل والأنبياء، يستخدم المؤلف مصطلحاتٍ تشير بوضوحٍ إلى عقيدة التجسد.
فالحُجُب الإلهية تتجلّى من خلال نزول قدرة الله إلى الأنبياء وتجليه فيهم. وفي موضعٍ آخر يصرّح المؤلف بوضوحٍ بأنّ الأنبياء هم تجسّداتٌ للإله نفسه، إذ يقول:

«فهم الربّ إذا ظهر في خلقه

لكنّه يقيّد هذا القول موضحاً أن الله لا يتجلّى للبشر مباشرة، بل في «صورة الأنبياء».
ودليل قدرة الأنبياء الإلهية هو علمهم بالغيب، وقدرتهم على إحياء الموتى وتحوير جوهر الأشياء، وهي صفاتٌ تخصّ الله وحده دون سائر المؤمنين. ويضيف المؤلف أنّ واجب العارف (الغنوصي) هو أن يدرك تجلّي الله في أنبيائه، كما يدرك تجليه في أشخاصٍ آخرين.

ويقدّم مؤلف كتاب الأسوس فهماً دائرياً للنبوة، إذ يرى أنّ الأنبياء يشكّلون وسيلةً لدورات التقدّم الديني المتكرّرة في التاريخ البشري.
فالنبوة تتكرّر في دوراتٍ زمنية، وتنتقل من نبيٍّ إلى آخر وفق نظامٍ روحيٍّ كونيٍّ، يكون كلّ نبيٍّ حلقةً في سلسلةٍ من مظاهر الوحي الإلهي المستمر.
وفي نهاية كلّ دورةٍ يظهر نبيٌّ كامل يجمع المعارف السابقة ويكشف أسراراً جديدة، ويكون ممهِّداً لظهورٍ أسمى من التجلي الإلهي.

وفي هذا السياق، يُعَدّ محمدٌ خاتم الأنبياء من حيث الظاهر، لكنّ عليّاً هو التجلي الكامل للربّ الذي اختُتم به نظام النبوة.
فالنبيّ محمدٌ هو اللسان المعبّر، أمّا عليّ فهو المعنى الإلهيّ المتجلّي، والباب الذي يُعرف به الله.

ويؤكد المؤلف أنّ غاية النبوة ليست إقامة الشرائع، بل تعليم العارفين كيفية الوصول إلى المعرفة الإلهية الكاملة.
فالشريعة الظاهرة إنما هي حجابٌ للعامة، بينما النبوة الحقيقية باطنها الغنوص والمعرفة.
ولهذا يُفسّر المؤلف قول القرأن : «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين»  بأن الرحمة المقصودة هي كشفُ الأسرار الباطنية التي تُنجي الأرواح من ظلمة الجهل.

كما يربط المؤلف بين النبوة والتجليات الإلهية، فيقول إنّ كل نبيٍّ هو مظهرٌ لقدرةٍ من قدرات الله، ومقامٌ من مقامات تجليه.
ويُستعمل مفهوم «الحجاب» هنا للدلالة على الأوجه المختلفة التي يظهر الله من خلالها، بحيث يكون كل نبيٍّ حجاباً لمرتبةٍ من مراتب النور الإلهي. ومن لم يعرف هذه المراتب وقع في الجهل وظنّ أنّ الله متعدّد.

ويشرح المؤلف أنّ الأنبياء – وإن كانوا متجلّين لله – فهم في الوقت نفسه بشرٌ مخلوقون، أُكرموا بفيضٍ من النور الإلهي دون أن يكونوا هم الله في جوهرهم. وهذا التمييز يعبّر عن المبدأ القائل بوحدة الفيض مع بقاء التمايز بين المصدر الإلهي ومظاهر ظهوره.

ويختتم المؤلف هذا القسم ببيانٍ يوضّح أن النبوة هي تجلٍّ إلهيٌّ متكررٌ عبر العصور، لا ينقطع ما دام في العالم من يؤمن بالله على بصيرة، وأنّ الوحي لا يقتصر على الأنبياء بالمعنى التاريخي، بل يمتدّ إلى الأوصياء والأولياء الذين يحملون علم الباطن بعد النبي، فيكشفون الأسرار لمن استحقّ معرفتها.

الوصاية (الإمامة والخلافة الروحية)

يُعَدّ مفهوم الوصاية في كتاب الأسوس استمراراً طبيعياً لمبدأ النبوة، إذ تمثّل الإمامة عند المؤلف الامتداد الباطني والدائم للوحي الإلهي بعد ختم النبوة الظاهرة. فالأنبياء، كما قيل سابقاً، هم تجلياتٌ إلهية يظهر الله من خلالها في التاريخ، أما الأوصياء فهم استمرار لهذا التجلي في شكلٍ بشريٍّ مكمّل، يُظهر علم الباطن ويحفظ سرّ الألوهية في الأرض.

ويرى المؤلف أنّ الله بعد أن أرسل الأنبياء، أقام من بعدهم أوصياء يكمّلون رسالتهم، ويكشفون أسرار ما لم يكن للعامة أن يدركوه.
وهؤلاء الأوصياء هم الذين تلقّوا من الله العلم الباطني عبر فيضٍ مباشر من نوره، فهم «الأبواب» التي يُدخل منها إلى معرفة الله، والمرايا التي تنعكس فيها صور قدرته.

وفي ترتيبهم الكوني، يقف الإمام في المرتبة الثالثة من الثالوث النصيري – أي مقام الباب – الذي يلي الاسم والمعنى.
فالباب هو الواسطة بين الخالق والخلق، وبه يُدرك الناس الحقيقة، وبدونه لا سبيل للوصول إلى الله.
وعليه، فإن الإمامة ليست منصباً بشرياً بل وظيفة كونية تتعلّق ببنية الوجود نفسه.

ويقول المؤلف إنّ الأئمة هم مظاهر متتابعة لنورٍ واحد، يتجلّى في كلّ عصرٍ بشخصٍ مخصوص.
ويشبّههم بالكواكب السبعة التي تستمدّ نورها من شمسٍ واحدة، فكلّهم إشعاعات من النور الإلهي الواحد الذي هو عليّ.
ولهذا يُقال إنّ عليّاً هو الإمام الأول والأبدي، وكلّ من جاء بعده إنما هو تجلٍّ من تجلياته.

ويصف المؤلف الإمام بأنه «الروح الكلي» الذي يفيض بالحياة على المؤمنين، وأنّ معرفته شرطٌ لازم لمعرفة الله نفسه، إذ لا سبيل للاتصال بالمعنى الإلهي إلا عبر هذا الوسيط. وفي موضعٍ آخر يصرّح بأنّ من جهل الإمام جهل الله، ومن أنكره أنكر الخالق.
وهكذا ترتبط العقيدة النصيرية بوحدة الوجود المعرفي بين الإله والإمام والعارف، في تراتبيةٍ روحية متكاملة.

أما العلاقة بين الإمام والأنبياء فهي علاقة المكمّل بالممهِّد:
فالأنبياء يأتون بالشرائع الظاهرة، أما الأئمة فيكشفون بواطنها.
وكلّ نبيٍّ له وصيٌّ يرث علمه الباطني، كما أن لعليٍّ منزلة الوصيّ المطلق الذي تجمّعت فيه علوم الأنبياء كلهم.
ويُشار إلى ذلك في كتاب الأسوس بالقول إنّ الله «أنزل العلم على أنبيائه بالوحي، وأودعه في أوصيائهم بالسرّ».

ويشرح المؤلف أيضاً أنّ الأوصياء هم «أركان الإيمان السبعة» الذين يحملون مراتب الأسرار، وكلّ واحدٍ منهم يمثّل مرتبة من مراتب الفيض النوراني، تمتدّ من العقل الكلّي إلى النفس الجزئية، ومن الملكوت إلى عالم الناسوت.
وهم الذين يحيون القلوب بمعرفتهم كما تُحيي الشمس الأرض بنورها.

ويُشبَّه الإمام أحياناً بالروح القدس، لأنه يربط المؤمنين بالعالم الإلهي كما تربط الروح الجسد بالحياة.
ويقول المؤلف إنّ الأوصياء قادرون بإذن الله على كشف الغيب وإحياء النفوس بالمعرفة، كما كان الأنبياء يحيون الأجساد بالمعجزات.
فالمعجزة الظاهرة حلّت محلّها الكلمة الباطنية، والعلم الموحى صار هو دليل النور.

ثم يؤكد أنّ الخلافة الروحية لا تُنال بالوراثة الجسدية، بل بالاصطفاء الإلهي وحده.
فالله وحده يختار أوصياءه كما اختار أنبياءه، ومن يدّعي الوصاية دون معرفةٍ أو دون إذنٍ ربّاني فهو من «أبناء الظلمة» الذين غلب عليهم الجهل والكِبر.

ويختم المؤلف هذا القسم بتوضيح الغاية النهائية من الإمامة، قائلاً إنّها ليست تسلّطاً ولا ملكاً، بل رحمةً للخلق وهدايةً للعارفين.
فالإمام هو المرآة التي يرى المؤمن فيها صورة ربه، وهو المعلّم الذي يأخذ بيد الأرواح الضائعة إلى نورها الأصلي، حتى تعود إلى موطنها السماوي الذي سقطت منه في البدء.

الصعود الروحي والعرفانية ونقض الشريعة

يقدّم مؤلف كتاب الأسوس لاهوتاً غنوصياً يقوم على مبدأ الاستعادة الروحية.
فالله، بحسبه، منح آدم إمكانيةَ العودة إلى حالته الأولى في الجنة.
ويشكّل هذا الأساس النظري للاعتقاد بأنّ العارف يمكنه أن يبلغ الحالة التي كان عليها آدم في الفردوس قبل الخطيئة الأولى.

كانت تلك الحالة تُوصَف بأنها حالة حرية دينية مثالية: أي حرية من عبء الفرائض والتكاليف الطقسية.
وحين يُستعاد الإنسان إلى تلك الحالة الأصلية، يُعفى من الأوامر والنواهي، ويُجازى على أعماله لا على طقوسه.
إن طريق عودة آدم إلى الجنة ممكنٌ بفضل نعمة الله ( أُخرج آدم من الجنة ثم عاد إليها بالمنة).
ويؤسس هذا المبدأُ لإمكان دخول العارف مرة أخرى إلى العالم الإلهي.
غير أن الصعود إلى الجنة لا يتحقق إلا بالتنوير التدريجي عبر سبع درجات من الإيمان، يترقّى فيها المؤمنون نحو الكمال.

وفي فقرةٍ مدهشة، يُثني المؤلف على الكهنة والرهبان المسيحيين بوصفهم مثالاً للعارفين الكاملين بالمسيح، أي يسوع.
فالحواريون لديهم يمثلون الكمال الأعلى للمثال الغنوصي الزُهدي. يقول المؤلف:

«أما علمتَ أن الكهنة والرهبان، لما بلغوا درجة المعرفة، زهدوا في الدنيا وساحوا في الأرض، ورفضوا زخارفها شكرًا لله الذي أنعم عليهم ورفعهم حتى عرفوا المسيح كُنه المعرفة، فبلغ الحواريون الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع والبيع من الزهد ما لم تبلغه أمة من الأمم، شكراً وحباً لا خوفاً ولا طمعاً.»

ويشير المؤلف بعد ذلك إلى أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بكثرة الأعمال الظاهرة، بل بمعرفة الجوهر الإلهي.
فالمعرفة (الغنوصية) هي الطريق إلى الخلاص، لا الشريعة ولا الطقوس.
ومن هنا ينبع الموقف النقضي للشريعة (antinomianism)  في كتاب الأسوس:
فالمعرفة ترفع المؤمن من مرتبة العبودية إلى مرتبة الأحرار الذين تحرروا من الأحكام الظاهرية.
وهؤلاء وحدهم يعرفون أن أوامر الشرع ونواهيه ليست مقصودة لذاتها، بل رموزٌ لمعانٍ باطنية لا يدركها إلا أهل النور.

كما يؤكد المؤلف أن النعمة الإلهية وحدها تمكّن الإنسان من هذا الصعود، لأن المعرفة الحقة عطيةٌ من الله، لا تُكتسب بالجهد البشري فحسب.
فالمؤمن الذي يسلك طريق المعرفة يصل تدريجياً إلى مقام الكشف، فيدرك وحدة الخالق والخلق، ويتحرر من الجهل والظلام.
وفي هذا المقام، يصبح العارف «بيت القدس»، أي المعبد الذي تجلّت فيه المعرفة الإلهية، لأن أورشليم الروحية ليست مكاناً بل حالةٌ من الوعي النوراني الكامل.

ويُظهِر المؤلف أن السلم الروحي يوازي نظام الكون، فعدد درجات الإيمان سبع، مثل عدد السماوات السبع والأجرام السبعة المضيئة، ولكلٍّ منها رمزه ومعناه. ويقابلها في الجهة الأخرى سبع مراتب من الهرطقة والظلمة، تنتهي إلى الكفر التام.
وفي هذا التدرج يرى المؤلف أن اليهود يمثلون النموذج الأمثل للهرطقة، لأنهم، بحسب رؤيته، لم يدركوا السرّ الإلهي في المسيح وعليّ.

وهكذا تتداخل في كتاب الأسوس مفاهيم الصعود الروحي والعرفانية والتحرر من الشريعة ضمن رؤيةٍ لاهوتية واحدة:
فالإنسان الساقط يمكنه أن يستعيد مكانته الأولى عبر الغنوص، والمعرفة ترفع عنه أغلال الشرائع لترده إلى الحرية الأصلية،
وهذه الحرية هي علامة الخلاص النهائي، أي العودة إلى الجنة التي هي في الحقيقة حالة الوعي النوراني الكامل.

الزنادقة والمؤمنون

يفصّل مؤلف كتاب الأسوس الفرق بين فئتين من البشر: فئة المؤمنين النورانيين، وفئة الزنادقة المنغمسين في ظلمة الجهل.
وهو يُظهر من خلال هذا التقابل رؤيةً كونيةً أخلاقية تقوم على الصراع بين النور والظلمة، بين المعرفة والجهل، بين الروح والجسد.

فالعارفون، أبناء النور، هم الذين بقوا أوفياء للعهد الأول مع الله، حين تجلّى لهم في العالم الإلهي وأخذ عليهم الميثاق.
أما الزنادقة والكافرون فهم أولئك الذين أنكروه أو لم يعرفوه حق المعرفة، فسقطوا في العالم المادي، وتناسخوا في أجسادٍ مظلمة عقوبةً لهم.

ويرى المؤلف أنّ الزنادقة ليسوا أعداءً خارجيين فحسب، بل هم أيضاً الذين في داخل كلّ إنسانٍ لم يبلغ النور بعد.
فالجهل والغرور والأنانية هي صور الزندقة الباطنية، التي يجب على المؤمن أن يجاهدها ليبلغ صفاء النور الإلهي.
ويقول إنّ العارف الحقّ لا يقاتل الزنديق بالسيف، بل بالمعرفة والتعليم، لأن النور وحده يبدّد الظلام.

ثم يورد تفسيراً لآية قرآنية:  «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم»، فيقول إنّ هؤلاء هم الزنادقة الذين يحاولون إنكار تجلّي الله في أوليائه، لكنّ الله يعيد إظهار نوره في كلّ زمانٍ في صورةٍ جديدة، فلا يُطفأ أبداً.

ويُقسِّم المؤلف الناس إلى ثلاث مراتب من حيث الإيمان:

  1. المؤمن الكامل: وهو العارف الذي بلغ المعرفة العليا، وتحرر من الشريعة، وصار نوراً بنور الله.
  2. المؤمن المتوسط: الذي يؤمن بالظاهر والباطن معاً، فيطيع الشريعة من حيث هي رموزٌ للحقائق.
  3. الجاهل: وهو الذي يقف عند ظاهر الشريعة ويظنّ أنه أدّى الدين بذلك، دون أن يفهم رمزه أو معناه، وهو قريب من الزندقة وإن لم يعلن الكفر.

ويصرّح المؤلف بأنّ الزندقة الحقيقية ليست في معصية ظاهرية أو رأيٍ فلسفي، بل في إنكار النور الإلهي حين يتجلّى في صورة البشر، وفي رفض الإمام الذي هو مرآة الله في الأرض. ولهذا يقول:

«من أنكر الإمام فقد أنكر الله، ومن أنكر المعرفة فقد كفر، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد عبد الصنم

ويُختتم هذا القسم ببيانٍ حاسمٍ يوضّح أنّ النجاة لا تكون بالانتماء أو النسب أو الطقوس، بل بالمعرفة وحدها:

«ليس الدين كلاماً يُقال، ولا صلاةً تُقام، بل معرفةٌ في القلب، ونورٌ في العقل، وعملٌ بالسرّ

فالمؤمن عند المؤلف هو من يُبصر النور في كلّ شيء، ويشهد وحدة الله في مظاهره المختلفة، أما الزنديق فهو من يرى الكثرة وينكر الوحدة، ومن يسجن الحقيقة في الحرف، فيموت في ظلمة الجهل ولو ظنّ أنه في النور.

وهكذا يختم كتاب الأسوس جدله اللاهوتيّ برؤيةٍ غنوصيةٍ موحِّدة، تجعل الإيمان الحقيقي إدراكاً للسرّ الإلهي، وتجعل الزندقة جهلاً بهذا السرّ، سواء اتخذت شكلَ الإلحاد أو التدين الظاهري الخالي من المعرفة.

القضايا المسيحية واليهودية

يتميّز كتاب الأسوس بانشغالٍ ملحوظٍ بالموضوعات المسيحية واليهودية.
فالرموز والمفاهيم المرتبطة بهذين التقليدين، ولا سيما المسيحية منها، تظهر في كل مستويات النقاش تقريباً، وتنتشر في مختلف أجزاء الرسالة.
بل يبدو أنّ هذا العمل، أكثر من أي مؤلَّفٍ نصيري آخر، قد دمج المسائل اللاهوتية المسيحية في صميم الخطاب اللاهوتي النصيري نفسه.

يربط المؤلف بين المصطلحات المسيحية البارزة وبين العالم الإلهي للانبثاقات، أي عالم الفيض الإلهي، وكذلك بين هذه المصطلحات وعقيدة الثالوث النصيرية.
فالشخص الثالث من هذا الثالوث يُشار إليه أحياناً باسم الروح المُقدَّسة، وهي أيضاً الوسيط بين الألوهية والبشرية.
أما الحُجُب السماوية النورانية المختلفة فهي تابعة لـ حجاب الابن والروح، أي أنها تنتمي إلى مرتبة الابن والروح القدس.
ويبدو أن المقصود هنا هو حجاب الشخص الثاني (الاسم)، والشخص الثالث (الباب)، وبذلك يستخدم المؤلف مصطلحاتٍ لاهوتيةً مسيحيةً صريحة ليصف الثالوث النصيري، محدداً الابن على أنه الشخص الثاني في الثالوث.

ويُصوَّر المسيح (يسوع) في هذا السياق بأنه «العين العليا » (العين العظمى)، التي تجمع الأئمة الإلهيين الكونيين الذين يُعرَّفون بأنهم الساعات الاثنتا عشرة من اليوم، مماثلين بذلك الرسل الاثني عشر في رمزيةٍ كونيةٍ دقيقة.

ولتعزيز آرائه في بعض المواضع، يستشهد المؤلف أحياناً بعباراتٍ قريبة من النصوص الكتابية.
فقد أورد القول المنحول المنسوب إلى المسيح:

«أخلق بإذن الله»،

وقد أُشير إليه سابقاً في سياقٍ آخر.
وفي موضعٍ آخر، يستشهد المؤلف بسفر التكوين (1:26)، لكنه ينسبه خطأً إلى العهد الجديد، قائلاً:

« تعالوا نخلق إنساناً على صورتنا ومثالنا»،

ويقول إنّ يسوع هو المتكلم في هذا النص، إذ أراد أن يُظهر قوّته في صورةٍ تماثل صورته،

« فأراد أن يُظهر قدرته في الصورة التي هي على صورته».

وعندما يُسأل: في مَن تجلّى الله بعد أن استتر؟ يجيب المؤلف مستشهداً بنصٍّ يبدو مأخوذاً بصورةٍ غير مباشرة، وربما عن إنجيل متّى (1:23)، حيث يستحضر نسخةً محرّفة من الآية الشهيرة في سفر إشعياء (7:14):

« ها إنّ العذراء ستحبل وتلد نبيّاً (!) وتدعو اسمه عمانوئيل».

ويشرح المؤلف ذلك بالقول إنّ الله أظهر يسوع للبشر، وأعلن لهم أنّه سيصنع أعمالاً عظيمة تتجاوز قدرة الأنبياء.
وبذلك يُبرز المؤلف يسوعَ باعتباره تجلّيًا إلهيًا مباشرًا، ذا قدرةٍ تفوق جميع المرسلين، جامعاً بين اللاهوت النصيري والعقيدة المسيحية في صيغةٍ توفيقيةٍ غنوصيةٍ دقيقة.

الخاتمة

إن الطبيعة غير المنهجية والغامضة لكتاب الأسوس لا تنتقص من أهميته بوصفه مصدرًا بالغ القيمة لدراسة العقيدة النصيرية في مراحل تكوّنها الأولى. فإلى جانب الأفكار والمفاهيم الشائعة في مؤلفات نصيرية أخرى، يتميز هذا الكتاب باحتوائه على أفكارٍ ومصطلحاتٍ لا نجدها، أو لا نجد تطورها بهذا الشكل، في أي مصدرٍ نصيريٍّ آخر.

ومن القضايا التي شغلت الباحثين في الديانة النصيرية منذ بداية الدراسات الحديثة: ما الوزن الذي ينبغي أن يُعطى للعناصر المسيحية في التركيب المعقّد للعقيدة النصيرية. فمن المعروف أن بعض العلماء، مثل هنري لامنس، ذهبوا إلى أنّ التأثير المسيحي في الديانة النصيرية، ولا سيما في عقيدتها الثالوثية، كان أساسيًا وجوهريًا. وقد ذهب لامنس إلى حد القول إنّ جذور الديانة النصيرية يمكن تتبّعها داخل المسيحية نفسها.

ومع أنّ شواهد كتاب الأسوس ليست كافية لتأكيد هذه الاستنتاجات الحتمية، فإنّ الرسالة تُظهر بوضوحٍ القرب الكبير بين العقيدة النصيرية المبكرة والعقائد والمصطلحات المسيحية. وقد رأينا أيضًا أن هذا العمل يتميّز بموضوعاتٍ أخرى بارزة، مثل نزعة نقض الشريعة (الأنطينوميان) المتجذّرة في لاهوت الخلاص الغنوصي، وكذلك فكرة التناسخ المعقّدة التي تشكّل ركنًا أساسيًا في نظرية العدل الإلهي (الثيوديسيا) في كتاب الأسوس.


ملاحظة: اللمحة أعلاه عن كتاب الاسوس هي من كتاب الباحث مار ميخائيل, بتصرفات لفظية أو وصفية طفيفة أثناء الترجمة. هذه الشروحات تعبر عن كتاب الأسوس كما فهمه مار ميخائيل, وليس تعبير كامل عن فهم الكنيسة له, علما أن مترجم النص يتفق مع معظم ما جاء فيه كشرح موضوعي للنص الأصلي.