إخوتي العلويين،
أخواتي العلويات،
لكم مني جميعًا تحية محبة وسلام.
في الحلقات الماضية، تحدثت عن أسس الديانة العلوية:
عن العلاقة مع الخالق، عن الثالوث المقدس، عن مفهوم الظاهر والباطن، ومفهوم التقمص.
كما تحدثت عن المزارات العلوية، وعن الأرواح التي تطهّرت وتنقّت ورجعت واتحدت مع الخالق.
اليوم سأتحدث عن طريق الخلاص على الطريقة العلوية الغنوصية، وأشرح ما هو هذا الطريق.
الطريق الظاهر
طريق الخلاص له ظاهر وباطن.
الظاهر يمكن أن نراه في أقوال ربنا يسوع.
مثلًا في كتاب الديداخي، يقول في المقدمة:
طريق الحياة هو هكذا:
أولًا، أحبب الله الذي خلقك،
ثانيًا، أحبب قريبك كنفسك.
ما لا تريد أن يفعله الناس بك، لا تفعله أنت بالآخرين.
باركوا لاعنيكم، وصلّوا من أجل أعدائكم،
وصوموا من أجل مضطهديكم.
لأنه أي فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟
أليس الوثنيون يفعلون ذلك؟
أما أنتم فأحبّوا مبغضيكم، فلا يكون لكم عدوّ.
الجزء الأول من هذا القول يعني: اجعل المحبة تغمر نفسك.
والجزء الثاني يعني: لا تجعل الكره أو الحقد يسيطر عليك.
تعليمات بسيطة وواضحة، لا تحتاج شرائع ولا صلوات على الواقف أو القاعد، ولا أي ممارسات مزيفة.
وفي إنجيل متّى الإصحاح 22، سأل الفريسيّون يسوع قائلين:
يا معلّم، أي وصية هي العظمى في الناموس؟
(الناموس يعني الشرائع والقوانين)
فقال يسوع:
تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ فكرك.
هذه هي الوصية الأولى والعظمى.
والثانية مثلها: تحبّ قريبك كنفسك.
بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء.
أي أن كل الشرائع والقوانين تختصر في هاتين الوصيتين.
الطريق الباطن
أما طريق الخلاص بالباطن، فيمكن أن نراه مكتوبًا بوضوح في الإنجيل الغنوصي لتوما.
وقد ترجمته ووضعته على موقع كنيسة الساحل الغنوصية.
الآية الافتتاحية تقول:
“من يكتشف معنى هذه الأقوال لن يذوق الموت.”
أي أن المطلوب ليس أن تقرأ بعينك أو بعقلك فقط،
بل أن تُبصر معناها ببصيرتك الداخلية.
وفي الآية الثالثة يقول يسوع:
“إن الملكوت في داخلكم، وهو خارجكم.
إذا عرفتم أنفسكم، عرفتم أنكم أبناء الأب الحي.
أما إذا لم تعرفوا أنفسكم، فإنكم تقيمون في الفقر، وأنتم الفقر.”
أي أن ملكوت الله في داخلنا وفي خارجنا،
حالة الاتحاد مع الله هي في داخل الإنسان ومن حوله.
ليست مكانًا بعيدًا أو زمنًا مستقبليًا، بل هي الآن — حالة إدراك أنك من الخالق وإليه.
الخلاص سهل وممتنع
طريق الخلاص في الغنوصية سهل وممتنع:
سهل لأنك قد تقرأ هذه الأمور وتحسّها،
وممتنع لأننا نحن الذين لا نريد أن نرى.
المشكلة فينا، والدواء فينا.
يقول مولانا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
دواؤك فيك وما تبصر، وداؤك منك وما تشعر.
أتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر؟
فأنت الكتاب المبين، الذي بأحرفه يظهر المضمر.
وما حاجتك من خارج، وفكرك فيك وما تصدر
لقد لخّص الإمام علي جوهر الغنوصية بأربعة أبيات فقط،
ولم يتحدث عن شريعة أو أئمة أو مشايخ.
قال بوضوح: ما حاجتك من خارج، فالموضوع كله بداخلك.
الخلاص في الداخل
الملكوت في داخلك.
بعض الإخوة العلويين قد يعترضون على هذا،
لكن الحقيقة أن الغنوصية ليست دينًا جديدًا، بل هي فتح للقلب على ما بداخله.
فالطريق بداخلنا، وما نحتاجه هو البصيرة لهذا الطريق.
لا نحتاج صلوات على الواقف أو على القاعد،
ولا شرائع يكتبها بشر نيابة عن الخالق.
بعد قدوم الخصيبي والمشايخ الذين تبعوه،
انشغل بعضهم بإعادة كتابة الفلسفة اليونانية بأسلوب ركيك،
وتطبيق المفاهيم الغنوصية على أشخاص من البيت أو من الشيعة،
لكنهم نسوا التركيز على الجوهر.
الغنوصية ليست دينًا سلطويًا ولا منظومة أوامر،
بل طريق لفتح القلب والبصيرة على الذات.
البداية لا النهاية
مشكلتنا أننا نحاول دائمًا أن نرى النهاية،
لكن طريق الخلاص يبدأ بالبحث عن البداية.
في إنجيل توما أيضًا، قال التلاميذ ليسوع:
أخبرنا كيف تكون نهايتنا؟
فقال لهم: أوقد عرفتم البداية، وأنتم تطلبون النهاية؟
حيث تكون البداية، هناك تكون النهاية.
طوبى لمن يقف في البدء، فإنه يعرف النهاية ولن يذوق الموت.
إذًا ما علينا فعله هو البحث عن طريق البداية في داخلنا،
وليس في شرائع يضعها بشر.
صورة الخالق في الغنوصية
في الأناجيل الغنوصية، ترى بوضوح أن الخالق ليس إلهًا متغضّنًا أو محاسبًا.
ليس إله حسنات وسيئات،
ولا من يَعِد بالملذّات أو يُهدد بالعذاب.
الخالق هو الأصل، هو المصدر، وهو المحبة النابعة منه.
فإذا أردنا أن نسير نحو الخالق،
يجب أن نبحث عن الجمال والكمال ونمجّدهما،
لأن الخالق هو الجمال وهو الكمال.
تمجيد الخالق الحقيقي لا يكون بالصلوات المكرّرة،
بل بأن نصبح نحن انعكاسًا لصفاته.
إذا كان الرب محبة، فالاتحاد معه يكون بأن تصبح أنت محبة.
لا يمكنك الاتحاد مع الخالق وفيك كره.
إذا كان الرب مغفرة، فكن أنت مغفرة.
إذا كان الرب منزهًا عن الشهوات، فطهّر نفسك من الرغبات.
إذا كان الرب نورًا أزليًا، فكن أنت نورًا، ولا تجعل الظلمة في قلبك.
حينها يشعّ النور الإلهي منك، وينير من حولك،
وتصبح أنت تجسيدًا لمعاني المسيح،
تقترب منه شيئًا فشيئًا، حتى تكون أنت والمسيح واحدًا.
لا ينبغي لأحد أن يظن أن طريق الخلاص يمرّ عبر شرائع كتبها رجال الدين نيابة عن الخالق.
الغنوصية تقول العكس:
دينك في داخلك، ومعرفتك بخالقك في داخلك.
وكما قال المسيح:
“من ثمارهم تعرفونهم.”
أي أن ثمار أعمالك هي التي تؤكد لك صحة طريقك.

اترك رد