تهدف هذه الحلقة إلى بيان أصول مفهوم الثالوث المقدس كما ظهر في الغنوصية المسيحية، ثم تتبّع مساره وانتقاله إلى الصورة العلوية الحالية، مع الإشارة إلى الأثر الفلسفي للأفلاطونية المحدثة (فلسفة أفلوطين)، وكذلك إلى التأثيرات الشيعية التي غيّرت بعض معانيه الجوهرية.
الخلفية الفلسفية: الأفلاطونية المحدثة
في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة نجد بنية ميتافيزيقية تقوم على مبدأ الانبثاقات الإلهية:
- الأصل الأول: الإله الواحد الأزلي، المتعالي والمنزّه عن الصفات.
- من هذا الإله ينبثق العقل، وهو فكر الإله وصورته.
- من العقل ينبثق الروح.
- من الروح تصدر العوالم النورانية المنزّهة عن المادة والزمان والمكان.
- أخيرًا، تنبثق العوالم المادية التي نعيش فيها.
يوجد في كل إنسان شرارة إلهية مصدرها الخالق، مهمتها أن تدلّه على طريق الخلاص عبر تنقية النفس من الملذات والشهوات، لترتقي من العالم المادي نحو العوالم الروحانية.
الثالوث المقدس في الغنوصية المسيحية
في الغنوصية المسيحية يتكون الثالوث من:
- الآب: المبدأ الأول، غير المنظور، ومصدر كل شيء.
- الابن (يسوع المسيح): كلمة الله وتجليه في العالم، وهو الذي يعلن الآب ويقود إليه.
- الروح القدس: المؤنثة في التراث السامي (العبراني/السرياني)، وهي الموجِّهة التي تذكّر بكلمات الابن وتفتح الطريق إلى الخلاص.
نجد في إنجيل الحق (الآيتان 17 و18) وصفًا واضحًا لهذا الثالوث: (يوجد نسخة مترجمة الى العربية من انجيل الحق على موقع الكنيسة)
(17)الآب هو البداية والنهاية
الفردوس هو كمال في فكر الآب، وغراسه هي كلمات انعكاسه. وكل كلمة من كلماته هي عمل مشيئته وحده، في إعلان كلمته. ولما كانت في عمق عقله، أخرجها الكلمة، الذي كان أول مَن صدر، فأظهرها مع عقلٍ ناطق بالكلمة الفريدة بنعمة صامتة. فسُمّي فكرًا، لأنها كانت فيه قبل أن تنكشف.
فحدث إذًا أنّ الكلمة كان أوّل من خرج في اللحظة الموافق عليها من مشيئة الذي أراد ذلك. وفي المشيئة يستريح الآب وبه يرضى. فلا شيء يحدث بدونه، ولا يقع أمر خارج إرادة الآب. ولكن إرادته لا تُدرَك، إذ إرادته هي خطوته، ولا أحد يقدر أن يعرفها أو يثبت عليها ليملكها. غير أنّ ما يشاء يتمّ في اللحظة التي يشاؤها وإن لم توافق الرؤية قَبل الله: فهي مشيئة الآب.
فالآب يعرف بداية الجميع كما يعرف نهايتهم. وعندما تأتي نهايتهم يستقبلهم. والنهاية، كما ترى، هي معرفة ذاك المستور، أي الآب، الذي منه خرج البدء، وإليه يعود جميع الذين خرجوا منه. فقد وُجدوا ليظهروا لمجد اسمه وفرحه.
(18)الابن هو اسم الآب وظهوره
إنّ اسم الآب هو الابن. فهو الذي، في البدء، منح اسمًا لذاك الخارج منه، فيما بقي هو على حاله، فتصوّره ابنًا. وأعطاه اسمه الذي له، هو الآب، مالك كل ما يحيط به. له الاسم؛ وله الابن. والابن يمكن أن يُرى، أمّا الاسم فغير منظور، لأنه وحده سرّ اللامنظور، المزمع أن يدخل إلى الآذان المملوءة به بواسطة الآب.
وأمّا الآب، فاسمه لا يُلفظ، بل يُعلَن بواسطة الابن. وهكذا فالاسم عظيم. فمن ذا الذي يقدر أن ينطق باسمه، بهذا الاسم العظيم، سوى ذاك الذي يخصّه الاسم وأبناء الاسم الذين يستقر اسم الآب فيهم، وهم بدورهم يستقرون في اسمه، إذ الآب لا بداية له؟ فهو وحده الذي صاغ لنفسه اسمًا منذ البدء، قبل أن يخلق الكائنات الأبدية، لكي يكون اسم الآب متسلطًا عليهم—ذاك هو الاسم الحق، المثبّت بسلطانه وبقوته الكاملة.
الثالوث في الديانة العلوية
في الديانة العلوية، يتم تلقين الداخل الجديد الدستور المكوّن من 16 قداسًا. القداسات الثلاثة الأولى تشرح أركان الثالوث:
- المعنى: يقابل الآب أو الواحد في الغنوصية والأفلاطونية.
- الاسم: يقابل الابن/العقل.
- الباب: الوسيط الذي يقود إلى المعنى عبر الاسم، ويقابل الروح القدس/الروح.
غير أنّ التحوير الأساسي الذي حصل هو تذكير الروح؛ ففي الغنوصية المسيحية واللغة السريانية كانت الروح القدس مؤنثة، بينما في العلوية تحولت إلى ذكر بفعل التأثيرات الشيعية.
العلاقة بين الأقانيم
تصف النصوص العلوية العلاقة بين المعنى والاسم والباب كما يلي:
- المعنى هو الأصل الأزلي.
- منه ينبثق الاسم، كما يخرج الشعاع من الشمس.
- ومن الاسم ينبثق الباب، الذي يقود إلى المعنى.
في القداس الخامس من الدستور العلوي مثلًا، يرد ما يلي
أشهد وأقر وأدين وأعتقد بأن أن لا إله إلا المعنى الأنزع البطين الحق المبين الأزل القديم,, وأشهد أن المعنى اخترع الإسم من نور ذاته كدوي الماء من الماء أو كشعاع الشمس من الشمس, إن شاء أظهره وإن شاؤ غيبه تحت تلؤلؤ نوره,, وأشهد أن الإسم خلق الباب بأمر باريه وقدرة منشئه لا دخول لله إلا منه ولا معرفة إلا به.
هذا القداس العلوي يؤكد على ان بنية النظام اللاهوتي في العلوية لايزال يحتفظ ببنيته من الغنوصية المسيحية, وأن صلة الأقانيم بعضها ببعض بنفس تراتبية الأفلاطونية المحدثة.
أثر التشيع على البنية العلوية
من أبرز آثار التشيع على العلوية هو التحريف المتمثل إدخال مفهوم الباب بمعناه الشيعي، أي الوسيط الحصري بين الإمام والناس. بينما في الغنوصية والأفلاطونية المحدثة، الروح القدس (أو الشرارة الإلهية) موجودة داخل الإنسان، تقوده إلى الخالق دون حاجة إلى وسيط خارجي.
هذا التحوير، المنسوب تاريخيًا إلى ابن نصير، يؤثر بشكل سلبي على طبيعة الثالوث ويبعده عن أصوله الغنوصية–الفلسفية.
الروح القدس في النصوص الغنوصية
في إنجيل توما نجد توكيدًا على أنّ الروح القدس هي نور داخلي:
(24)
قال له تلاميذه:
أرِنا الموضع الذي أنت فيه،
فلابدّ أن نطلبه.
قال لهم:
من له أذنان فليسمع.
هناك نورٌ داخل إنسان النور،
وهو يضيء العالم كله.
إن لم يضِئْ فظلامٌ هو.
(44)
قال يسوع:
من جدّف على الآب يُغفر له،
ومن جدّف على الابن يُغفر له،
وأما من جدّف على الروح القدس فلا يُغفر له
لا على الأرض ولا في السماء.
هذه النصوص تظهر أنّ الروح القدس مكوّن داخلي في الإنسان، لا يمكن احتكاره أو حصره بوسيط خارجي.
مقارنة الثالوث المقدس بين الغنوصية المسيحية و العلوية تكشف أن الديانة العلوية لا تزال في صميمها غنوصية مسيحية, ولا تزال متجذره في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، وأن التحويرات الشيعية هي التي غيّرت بعض معانيها، خصوصًا ما يتعلق بالروح القدس. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة النصوص العلوية في ضوء أصولها الغنوصية–المسيحية لتصحيح بعض الانحرافات التاريخية.

اترك رداً على ختامإلغاء الرد