إخوتي العلويين، أخواتي العلويات،
لكم مني جميعًا تحية محبة وسلام.
اليوم أتابع الحديث في مواضيع كنيسة الساحل الغنوصية، وسأتناول موضوعًا مهمًا جدًا في المعتقد العلوي، وهو موضوع التقمّص.
لكن قبل ذلك أود أن أُعيد التأكيد على أهداف الكنيسة، لمن يتابع هذا المحتوى حديثًا، وهي هدفان أساسيان:
أولًا: تعليم الديانة العلوية لأخواتي العلويات، لأن المشايخ منعوهن من التعلم ظلمًا، وأنا أرى أن هذا خطأ تاريخي يجب تصحيحه.
ثانيًا: تعليم الديانة العلوية لإخوتي العلويين بشكل عام، ولكل شخص مهتم أن يرى هذه الديانة بصورتها الأصلية دون الشوائب الإسلامية والشيعية التي دخلت عليها.
ذكرت في فيديوهات سابقة أن جذر الديانة العلوية هو الغنوصية المسيحية التي كانت موجودة في منطقتنا وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية كافة، وبعد قدوم الاحتلال الإسلامي تغيرت صورتها تدريجيًا إلى أن جاء الخصيبي وأصبحت على شكلها الحالي. وخلال تلك المرحلة طرأت عليها تحويرات ودخلت إليها أخطاء أعتقد أن بعضها جسيم، ويهمني كثيرًا أن أحدد هذه المواضع لأصلحها من خلال النظر والمقارنة مع الجذر الصحيح، أي الغنوصية المسيحية.
في أول فيديو من سلسلة الكنيسة تحدثت عن إصلاح العلاقة مع الخالق، وقلت إن العلاقة مع الخالق في الإسلام هي علاقة عبودية، وهي علاقة مرضية وغير صحيّة، بينما العلاقة في المسيحية هي علاقة بنوّة لله، وهي العلاقة الأصح. وفي الغنوصية – وهي جوهر العلوية – العلاقة هي علاقة بنوّة ورغبة الروح في أن تتنقّى وتعود إلى خالقها، وتنتهي بالاتحاد معه في الملكوت الأعلى.
وفي الفيديو الثاني تحدثت عن الثالوث المقدس العلوي وشرحت جذوره المسيحية، وبيّنت الخطأ الكبير الذي حصل حين تمّ تحريف مفهوم الروح القدس وتحويلها إلى الباب، وهو منصب ديني شيعي. لكن الثالوث الصحيح، أي العنصر الثالث فيه، هو الروح القدس، وهذه الروح هي الشرارة الإلهية التي تسكن في كل إنسان، وما على الإنسان إلا أن ينظر إلى داخله ويتبع تلك الشرارة ليجد طريق الخلاص.
أما في الحلقة الثالثة فتحدثت عن الظاهر والباطن في الديانة العلوية، وشرحت جذوره وأهميته كأسلوب تعليمي، وهو نفسه الأسلوب الذي استخدمه ربنا يسوع المسيح حين كان يعلّم الناس بالأمثال البسيطة، ويخص تلاميذه المتقدمين روحيًا بتعاليم باطنية.
وموضوع اليوم أيضًا من المواضيع الجوهرية في الديانة العلوية، وهو الإيمان بالتقمّص.
هذا الموضوع له أساس روحي عميق مرتبط بجذورنا القديمة وبمعتقدنا الغنوصي المسيحي، ولذلك خصصت له هذه الحلقة من سلسلة فيديوهات كنيسة الساحل الغنوصية.
ما هو الفرق بين الأديان الأخروية والأديان الغنوصية
في البداية يجب أن نميّز بين نوعين من الأديان:
الأديان الأخروية التي تؤمن بيوم القيامة والحساب، مثل الإسلام واليهودية والمسيحية الأرثوذكسية، وهذه ترى أن الإنسان يعيش حياة واحدة فقط، وخلالها يُقيمه الخالق ويحكم عليه في يوم القيامة إن كان إلى الجنة أو إلى النار.
أما الديانات الغنوصية، مثل الغنوصية المسيحية والمانوية والمندائية، وكذلك الدروز والعلويون والإيزيديون والبوذيون، فهي تؤمن بالتقمّص، أي أن الروح لا ترتبط بجسد واحد، بل تعيش حيوات متعددة على الأرض، تنتقل من جسد إلى جسد بعد الموت. وخلال هذه الحيوات المتعددة ترتقي الروح تدريجيًا، وتتنقّى من الشهوات والرغبات، إلى أن تصل إلى المعرفة الحقيقية بالخالق، والتي تسمى في الغنوصية الغنوص، وعندها تصطفى الروح وتعود إلى خالقها.
إذن ليس هناك “يوم قيامة واحد” للجميع، بل لكل إنسان تجربته، ولكل روح مسارها الخاص؛ فحين تنضج الروح وتصبح جديرة بالعودة، تصطفى وتعود.
في النصوص العلوية نجد هذا المفهوم بوضوح، مثل ما ورد في القدّاس الأول من الدستور العلوي:
“فادعُ ربك دعوةً خالصةً مخلِصةً تقيّةً نقيّةً بيضاء علويّة مشعشعةً نورانيةً تخلّصك من القمصان البشرية وتلحقك في الهياكل النورانية.”
والقمصان البشرية هي الأجساد، أي أن الروح تتقمّص أجسادًا متعددة حتى ترتقي وتصل إلى القميص النوراني المنزّه عن المادة.
وفي تعاليم أخرى:
“إن الأرواح تنتقل من صورة إلى صورة حتى تطهر من خطاياها وتصبح جديرة بالنور.”
“النفس الجاهلة تلبس جسدًا بعد جسد حتى تتعلم الحق، أما النفس العارفة بالله فإنها ترتقي إلى نجوم السماء ولا تُقيّد بعالم الظلمة.”
إذن، التقمّص في الديانة العلوية ليس عملية عشوائية، بل هو عملية منظمة بحكمة إلهية، يُعطي فيها الخالق الفرص تلو الفرص لكل روح كي تتعلم وتنجو بحسب أعمالها وأخلاقها ومعرفتها.
هذا المعتقد أصله الغنوصية المسيحية، ونجد جذوره واضحة في الإنجيل الغنوصي لفيليب الذي يقول:
“لا أحد يخبئ شيئًا ثمينًا في وعاء ثمين، بل تحفظ الكنوز التي لا تُحصى في وعاء لا يساوي سوى فلس واحد. هكذا النفس: إنها جوهرة ثمينة وُجدت في جسد لا قيمة له.”
وفي موضع آخر:
“إن ألقيت لؤلؤة في الوحل، فإنها لا تفقد قيمتها، وإن مُسحت بالبلسم فإنها لا تزيد قيمتها؛ فهي دائمًا ثمينة في عيني صاحبها، وهكذا أبناء الله ثمينون في عيني أبيهم مهما كانت ظروف حياتهم.”
ويقول أيضًا:
“الجسد والدم لا يرثان ملكوت الله… من لا يأكل جسدي ويشرب دمي فليس له حياة فيه. جسدي هو الكلمة، ودمي هو الروح القدس، ومن نال هذين فقد صار له طعام وشراب ولباس.”
وفي كتاب بسيث سوفيا، ورد في الفصل 111:
“النفس التي أخطأت تُلقى في جسد جديد لكي تُجرَّب حتى تتطهر وتصبح جديرة بالصعود.”
وفي إنجيل توما، القول 84:
“حين ترون شبهكم تفرحون، ولكن حين ترون صوركم التي وُجدت من قبلكم والتي لا تموت ولا تُعلن، كم ستحتملون؟”
وفي إنجيل يوحنا السري:
“إن الأرواح تبقى في سجن الجسد، تُولد مرة بعد مرة حتى تعترف بالحق وترجع إلى الواحد الذي هو أصلها.”
كل هذه النصوص الغنوصية تظهر بوضوح أن الحياة مدرسة كونية، وأن الروح تمرّ بتجارب متكررة حتى تتعلم وتعود إلى عالم النور.
المنحى الفلسفي والأخلاقي للأيمان بالتقمص
أما من الناحية الفلسفية والأخلاقية، فالإيمان بالتقمّص يجيب على أسئلة كثيرة تتعلق بالعدالة الإلهية:
هل الفرص في معرفة الخالق متكافئة بين جميع البشر؟
هل الطفل الذي يموت صغيرًا، أو الإنسان الذي يولد بإعاقة عقلية، أو من يعيش في بيئة قمعية، لديهم نفس الفرص للتعلم الروحي والمعرفة بالله كمن يعيش في بيئة حرة مليئة بالكتب والعلم؟
الجواب المنطقي أن العدالة الإلهية تقتضي تعدد الفرص وتكافؤها، وهو ما يتحقق بالتقمّص. فالحياة الواحدة غير كافية، والروح تحتاج إلى دورات متعددة لتتعلم وتترقى.
وفي النصوص العلوية:
“ولولا دورات الرجوع لهلك العالم في الجهل، لكن الله قضى أن كل نفس ستعرفه ولو بعد ألف حياة.”
وفي كتاب بسيث سوفيا:
“وإن لم تكمل النفس عدد دوراتها أو لم تطهر، فإنها تُعاد إلى العالم وتُلقى في أجساد بحسب الخطايا التي ارتكبتها، مرة كرجل ومرة كامرأة، حتى تصبح نقية.”
وهكذا نرى أن التقمّص هو تعبير عن الرحمة الإلهية والعدل، فهو يمنح الأرواح فرصًا متكررة للنمو والتعلم.
ومن ناحية السلوك الإنساني، الإيمان بالتقمّص يبعث على الصبر والأمل، ويقلل من الإحساس باليأس والفشل، لأن الإنسان يؤمن أن أمامه دائمًا فرصة جديدة للإصلاح. كما يولّد الرحمة تجاه الآخرين، إذ قد يكون من حولنا في حيوات سابقة إخوة أو أحباء.
أما مسألة الخوف من الموت، فهي محور مهم.
في الأديان الأخروية، وبخاصة في الإسلام، يُستخدم الخوف من الموت والجحيم كقوة ضغط على الناس لتوجيه سلوكهم. لكن هذا يولّد علاقة خوف وعبودية، لا علاقة حب ومعرفة.
أما في الغنوصية والعلوية، فالموت ليس نهاية، بل مرحلة انتقالية وفرصة جديدة، والعبادة فيها ليست خوفًا ولا طمعًا، بل حبًّا وشكرًا للخالق.
يقول كتاب المجمع:
“العبادة ليست خوفًا ولا إكراهًا، بل محبة للواحد الذي خلق النفس ويعيدها إليه.”
وفي كتاب الأسوس، أحد أقدم المراجع العلوية، ورد:
“أما علمت أن القسيسين والرهبان لما بلغوا درجة المعرفة تزهدوا في الدنيا، وصاروا سائحين، واجتنبوا زخرفها شكرًا لله الذي أنعم عليهم، وبلغ بهم الدرجة، وعرفوا المسيح كنه المعرفة، حتى بلغ من شأن الحواريين الذين حبّسوا أنفسهم في الصوامع والبيع وبلغوا من الزهد مبلَغًا لم يبلغه أحد من هذه الملل، شكرًا وحبًا لا خوفًا ولا طمعًا.”
هذا القول يلخّص جوهر العلاقة الصحيحة مع الله: شكرًا وحبًا لا خوفًا ولا طمعًا.
خاتمة
وفي الختام، أتمنى أن أكون قد استطعت توضيح مفهوم التقمّص في الديانة العلوية وجذوره الغنوصية المسيحية، وأهمية هذا المفهوم فكريًا وإنسانيًا، لأنه يعيد للعلاقة مع الخالق معناها الحقيقي القائم على الحب والنور والمعرفة.
سأتابع في الحلقات القادمة شرح المزيد من مفاهيم الديانة العلوية، استنادًا إلى الأناجيل الغنوصية والمراجع الأصلية.
وأتمنى من الإخوة والأخوات المهتمين أن يقرأوا الأناجيل القانونية أولًا – وخاصة إنجيل متى – بتأنٍ وتأمل، فهي مليئة بجمال التعليم وظاهره وباطنه، لأن الظاهر جميل، والباطن أعمق وأجمل.

اترك رداً على Fobarإلغاء الرد