إخوتي العلويين، أخواتي العلويات،
لكم مني جميعًا تحية محبة وسلام.

اليوم سأتحدث عن جزء أساسي جدًا من المعتقد العلوي، وهو الإيمان بالمزارات والمقامات للقديسين.
هذه المزارات التي نزورها لنتبارك بها، والتي نعتقد أنها أضرحة لأشخاص مباركين، هي جزء كبير من معتقدنا، وجزء قديم جدًا من الموروث الغنوصي الذي نحمله منذ عصور بعيدة.

وللأسف، بحسب معرفتي، لا يوجد شرح وافٍ في النصوص العلوية الحالية بعد قدوم الخصيبي، لكن بالعودة إلى الجذور الصحيحة في الغنوصية المسيحية، نجد شرحًا جميلًا وكافيًا عن ماهيّة هذه المزارات، وصفات القديس الذي نتبارك به، ولماذا نؤمن بكرامته التي هي في الحقيقة مشتقة من القدرة الإلهية.

فنحن عندما نعتقد أن قديسًا معينًا أو مزارًا ما يمكن أن يقوم بأمرٍ يُعدّ إعجازًا في الحالة الطبيعية، فإننا نربط ذلك بقدرة الباري.
ولشرح هذا المفهوم، سأستشهد بإنجيل الحق، الذي سبق وذكرت في فيديو سابق أنني ترجمته مع إنجيلين آخرين، ووضعتهم على موقع كنيسة الساحل الغنوصية بصيغة PDF، يمكن لأي أخ أو أخت تحميله وقراءته.

موضع المباركين (إنجيل الحق، الفقرة 19)

الآية الأخيرة من إنجيل الحق تُسمّى موضع المباركين، وتتحدث عن الأرواح النقية الطاهرة التي نتبارك بها في المزارات.
سأقتطف منها أهم المقاطع:

فجميع الانبثاقات من الآب هي ملء،
وكل انبثاقاته لها جذورها في الواحد الذي أنبتها من ذاته.
هو الذي عيّن مصائرها.
ثم ظهرت كل واحدة منها على حدة،
لكي تُكمَّل في فكرها الخاص،
لأن الموضع الذي إليه ترفع فكرها هو جذرها،
الذي يرفعها عبر جميع العُلى إلى الآب.”

هذا النص يوضح أن جذرنا الروحاني جميعًا من الخالق، وكل روح لها خصوصيتها رغم اتصالها بالنور الإلهي. فكل روح تنقّي نفسها بنفسها، وترتفع إلى أصلها الإلهي.

ثم تقول الآية:

هؤلاء هم الذين يملكون من فوق شيئاً من هذه العظمة غير المحدودة،
إذ يتطلّعون إلى ذاك الفريد الكامل،
الموجود هناك لأجلهم.

ولا ينحدرون إلى الهاوية.
لا حسد فيهم ولا نواح،
ولا موت فيهم.
بل يستريحون في الذي يستريح،
من غير أن يتعبوا أو يختلط عليهم الحق.

بل هم بالحقيقة الحق،
والآب فيهم، وهم في الآب،
إذ هم كاملون، غير منفصلين عن ذاك الذي هو الصالح بالحقيقة
.”

هذا الجزء العظيم يتحدث عن اتحاد الأرواح النقية بالخالق، حيث يصبح الحق فيهم وهم في الحق، ويبلغون الكمال، بلا نقص، ويستريحون بالروح، منصتين إلى جذرهم الإلهي، غير خاسرين لأنفسهم.
وهذا هو موضع المباركين — أي مكان الأرواح الطاهرة التي عرفت الخالق حق المعرفة وعادت إليه.

نظرة فلسفية علويّة إلى الجنة والنار

في أحد الفيديوهات السابقة بعنوان أنا علوي، أنا لست مسلم، ذكرت أننا كعلويين لا نؤمن بالجنة والنار كما في التصور الإسلامي التقليدي.
فنحن لا نرى الجنة مكانًا للملذّات والشهوات، ولا النار مكانًا للتعذيب الجسدي، فذلك – في نظرنا – وصفٌ غرائزيّ وإجراميّ لا يليق بتعامل الإنسان الروحاني العاقل.

الإنسان لا يُقاد بالغرائز ولا بالترهيب، بل يُقاد بالوعي والأخلاق والمعرفة.
المعتقد العلوي هو معتقد فلسفي روحاني يرى الإنسان ككائن عاقل خيّر في أصله، يسعى من خلال التجربة بعد التجربة، والحياة بعد الحياة، إلى تنقية نفسه من الغرائز والشهوات والبغض والكره حتى يرتقي ويعود إلى خالقه.

المزارات والقديسين

المزارات التي نزورها هي – في الحقيقة – رموز لأرواحٍ ترفعت عن الشهوات والكره، وعرفت الخالق حق المعرفة، فاتحدت به.
وكل كرامة تصدر عنها إنما هي من مشيئة الخالق ذاته.

إنجيل الحق، الفقرة 17

تقول الآية:

“وهكذا حدث أن الكلمة كان أوّل الخارجين
في اللحظة الموافقة لمشيئة من أراد ذلك.
وفي المشيئة يجد الآب راحته وبها يُسرّ.
فلا يحدث شيء بدونه،
ولا يقع أمر خارج مشيئة الآب.”

حتى أفعال الرب يسوع، كما نؤمن، كانت بمشيئة الآب.
وكذلك عندما نؤمن أن أحد القديسين يشفي المرضى أو يحقق الكرامات، فذلك ليس بقوته الذاتية، بل بمشيئة الله التي تعمل من خلاله.

ولهذا نقول عند زيارتنا للمزار: الله يرزقنا شفاعته — أي أن هذا القديس صار واسطة رحمة بيننا وبين الخالق.

الجذور الغنوصية للمعتقد العلوي

من خلال هذه الآيات من إنجيل الحق، أردت أن أوضح أن الإيمان بالمزارات والمقامات هو معتقد روحي قديم جدًا متجذّر في الغنوصية المسيحية، وله شروحات عميقة تتجاوز النصوص الحديثة.

وهذا الإيمان منتشر بين كثير من الجماعات الغنوصية، ومنها نحن العلويون، وكذلك إخوتنا العلويون في تركيا، حيث يذكر كتاب “Plain of Saints and Prophets” عن جماعة علويّة في مدينة سيليسيا كم كانت مزاراتهم كثيرة، وكيف عانوا الاضطهاد بسبب معتقداتهم.

في هذا الفيديو أحببت أن أشرح هذا الموضوع المهم في الدين العلوي، وأن أُظهر غناه الروحي العميق وجذوره القديمة.
وفي الفيديو القادم، بإذن الله، سأتحدث عن الطريق إلى ملكوت الله بحسب المعتقد العلوي والغنوصي، وكيف تتنقّى الروح لتعود إلى خالقها وتصبح واحدة من الأرواح المباركة.

شكرًا لكم جميعًا، وسلام ومحبة للجميع.

Posted in

2 responses to “السرّ اللّاهوتي لمقامات القدّيسين العلويين”

  1. الصورة الرمزية لـ Ebi Ali

    اتمنى ان استطيع ان احتفظ بالويب سايت لهذا الموقع لكن للاسف لم استطع ولا حتى تنزيل اي شيئ من هنا pdf ياريت لو كان بالامكان ارساله لي عبر البريد الإلكتروني
    تحياتي

    1. الصورة الرمزية لـ tuma jabal

      شكرا الك على التعليق.
      الوثائق المتوفرة بصيغة ملف PDF هي الأناجيل القانونية والغنوصية.
      اذا كنت تريد المقالات ايضا كملفات PDF يمكن ان تستخدم لوحة الطباعة, وان تختار حفظ الصفحة كملف عوضا عن الطباعة على ورق.
      اذا لم يمكن ذلك ارجو ان ترسل لي ايميل من صفحة “طرق التواصل”

اترك رداً على Ebi Aliإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كنيسة الساحل الغنوصية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading